العيني

89

عمدة القاري

ولياً ) لأنه يقتضي الزجر عن معاداة الأولياء المستلزم لموالاتهم ، وموالاة جميع الأولياء لا تتأتى إلاَّ بغاية التواضع ، إذ فيهم الأشعث الأغبر الذي لا يؤبه له . انتهى . قلت : دلالة الالتزام مهجورة ، لأنها لو كانت معتبرة لزم أن يكون للفظ الواحد مدلولات غير متناهية ، ويقال لهذا القائل : تريد اللزوم البين أو مطلق اللزوم ؟ وأيّاماً كان فدلالة الالتزام مهجورة ، فإن أردت اللزوم البين فهو يختلف باختلاف الأشخاص ، فلا يكاد ينصبط المدلول ، وإن أردت مطلق اللزوم فاللوازم لا تتناهى ، فيمتنع إفادة اللفظ إياها ، فلا يقع كلامه جواباً . ومحمد بن عثمان بن كرامة بفتح الكاف وتخفيف الراء العجلي بكسر العين المهملة الكوفي مات ببغداد سنة ست وخمسين ومائتين ، وهو من صغار شيوخ البخاري ، وقد شاركه في كثير من مشايخه . منهم : خالد بن مخلد شيخه في هذا الحديث فقد أخرج عنه البخاري بغير واسطة أيضاً في : باب الاستعاذة من الجبن في كتاب الدعوات . وخالد بن مخلد بفتح الميم واللام البجلي ، ويقال القطواني الكوفي مات بالكوفة في محرم سنة ثلاث عشرة ومائتين ، وسليمان بن بلال أبو أيوب القرشي التيمي مات سنة سبع وسبعين ومائة ، وشريك بن عبد الله بن أبي نمر بلفظ الحيوان المشهور القرشي ، ويقال : الليثي ، مات سنة أربعين ومائة . فإن قلت : خالد فيه مقال ، فعن أحمد له مناكير ، وعن أبي حاتم : لا يحتج به . وأخرج ابن عدي عشرة أحاديث من حديثه استنكرها منها حديث الباب ، وشريك أيضاً فيه مقال ، وهو راوي حديث المعراج الذي زاد فيه ونقص وقدم وأخر وتفرد بأشياء لم يتابع عليها . قلت : أما خالد فعن ابن معين : ما به بأس ، وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ، وقال أبو داود : صدوق ولكنه تشيع وهو عندي ، إن شاء الله ، لا بأس به . وأما شريك فعن يحيى بن معين والنسائي : ليس به بأس ، وقال محمد بن سعد : كان ثقة كثير الحديث ، وعطاء هو ابن يسار ضد اليمين ووقع في بعض النسخ كذلك ، وقيل : هو ابن أبي رباح ، والأول أصح . والحديث من أفراده . قوله : ( إن الله قال ) هذا من الأحاديث الإلهية التي تسمى : القدسية ، وقد مر الكلام فيها عن قريب ، وقد وقع في بعض طرقه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، حدث به عن جبريل عليه السلام ، عن الله عز وجل . قوله : ( لي ) ، صفة لقوله : ولياً ، لكنه لما قدم صار حالاً . قوله : ( ولياً ) ، الولي : هو العالم بالله المواظب على طاعته المخلص في عبادته . فإن قلت : قوله : ( عادى ) من المعاداة وهو من باب المفاعلة التي تقع من الجانبين ، ومن شأن الولي الحلم والاجتناب عن المعاداة والصفح عمن يجهل عليه . قلت : أجيب بأن المعاداة لم تنحصر في الخصومة ، والمعاداة الدنيوية مثلاً ، بل تقع عن بغض ينشأ عن التعصب : كالرافضي في بغضه لأبي بكر رضي الله تعالى عنه ، والمبتدع في بغضه للسني ، فتقع المعاداة من الجانبين ، أما من جانب الولي فللَّه ، وفي الله وأما من الجانب الآخر فظاهر . انتهى . قلت : لا يحتاج إلى هذا التكلف ، فإذا قلنا : إن فاعل يأتي بمعنى فعل كما في قوله عز وجل : * ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ) * ( آل عمران : 331 ) بمعنى : اسرعوا يحصل الجواب . قوله : ( فقد آذنته ) بالمد وفتح المعجمة بعد هانون أي : أعلمته من الإيذان ، وهو الإعلام . قوله : ( بالحرب ) ، وفي رواية الكشميهني : بحرب ، ووقع في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها : ( من عادى لي والياً فقد استحل محاربتي ) وفي حديث معاذ : ( فقد بارز الله بالمحاربة ) ، وفي حديث أبي أمامة وأنس : ( فقد بارزني ) . فإن قيل : المحاربة من الجانبين والمخلوق في أسر الخالق ؟ قيل له : أطلق الحرب وأراد لازمه ، أي : أعمل به ما يعمله العدو المحارب . قوله : ( أحب ) بالرفع والنصب ، قاله الكرماني . قلت : وجه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو أحب ، ووجه النصب والمراد به الفتح صفة لقوله : ( بشيء ) فيكون مفتوحاً في موضع الجر ويدخل في قوله : ( مما افترضت عليه ) جميع الفرائض فرائض العين وفرائض الكفاية . قوله : ( وما يزال ) كذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : وما زال ، بصيغة الماضي . قوله : ( يتقرب إلي ) ، بتشديد الياء ، وفي حديث أبي أمامة : يتحبب ، والتقرب طلب القرب ، وقال القشيري : قرب العبد من ربه يقع أولاً بإيمانه ثم بإحسانه ، وقرب الرب من عبده ما يخصه به في الدنيا من عرفانه ، وفي الآخرة من رضوانه ، وفيما بين ذلك من وجوه لطفه وامتنانه ، ولا يتم قرب العبد من الحق إلاَّ ببعده من الخلق . قال : وقرب الرب بالعلم والقدرة عام للناس ، وباللطف والنصرة خاص بالخواص ، وبالتأنيس خاص بالأولياء . قوله : ( بالنوافل ) ، المراد بها : ما كانت حاوية للفرائض مشتملة عليها ومكملة لها ، وليس المراد كون النوافل مطلقاً . قوله : ( أحبه ) هكذا رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : حتى أحببته . قوله : ( كنت